الشيخ محمد آصف المحسني
278
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الفطرة السليمة ، سواء كان بالاختيار أو بالإيجاب لكن الأول أوضح وأظهر ، وممّا ينبّه عليه أن في الحوادث المشاهدة في الآن الأول تأثير العلّة هو إفاضة أصل الوجود ، وفي كل آن بعده من آنات زمان الوجود تأثير العلّة هو إبقاء الوجود واستمرار الجعل الأول ، فلو كان ممكن دائمي الوجود ، فكل آن يفرض من آنات زمان وجوده غير المتناهي في طرف الماضي فهو آن البقاء واستمرار الوجود ، ولا يتحقّق آن إفاضة أصل الوجود ، فجيمع زمان الوجود هو زمان البقاء ، ولا يتحقق آن ولا زمان للإيجاد وأصل الوجود قطعا . . لو كان . . . قديما لزم أن لا يحتاج إلى علّة أصلا ، أما الموجدة فلما مرّ ، وأما المبقية فلأنها فرع الموجدة . أقول : يظهر حاله ممّا يأتي إن شاء اللّه . إنارة عقليّة لا ريب في أن ما سوى اللّه تعالى ممكن كما تنطق به أدلة التوحيد ، وهذا ممّا اتّفق عليه الفريقان ، وكلّ ممكن فهو حادث لا محالة ، فالعالم حادث وهذا هو المطلوب . أما الكبرى فنقول في تصحيحها : إن الممكن مفتقر في تحقّقه إلى مؤثّر بالضرورة ؛ ولا يعقل أن يوجد حال وجوده فإنه من تحصيل الحاصل المحال ، فلا بدّ أن يوجد حال لا وجود له ، فيكون وجوده مسبوقا بلا وجوده ، وهذا هو معنى الحدوث . وقرّره في الأسفار هكذا « 1 » : تأثير المؤثر إما حال عدمه أو حال حدوثه أو حال بقائه ، والأولان يفيدان لادعوى ، والثالث باطل ؛ لأنه يلزم تحصيل الحاصل وهو محال . ثم قال : والجواب ، أنا نختار أن التأثير في حال الوجود والبقاء ، قوله : ذلك إيجاد للموجود أو إبقاء للباقي . قلنا : ليس الأمر كذلك وإنما كان كذلك لو كان الفاعل يعطيه وجودا ثانيا وبقاء مستأنفا وليس كذلك ، بل الفاعل يوجده بنفس هذا الايجاد ؛ لأن تأثير الفاعل في شي عبارة عن كونه تابعا له في الوجود ، واجب الوجود بعلته . ثم الذي يدلّ على أن التأثير يجب أن يكون في حال الوجود وجوه : أحدها : إنه لو بطل أن يكون التأثير في حال الوجود ، وجب أن يكون إما في حال العدم ، ويلزم من ذلك الجمع بين الوجود والعدم ، وذلك ممتنع ، أو لا في حال الوجود ولا في حال العدم ، فيلزم من ذلك ثبوت الواسطة بينهما ، وذلك أيضا باطل . ثانيها : إن الإمكان - في كلّ ممكن - علّة تامّة للاحتياج ، لما يحكم هذا العقل بأنه أمكن فاحتاج ، فلو لم يحتج حال البقاء لزم إما الانقلاب في الماهية ، أو تخلف المعلول
--> ( 1 ) لاحظ أواخر فن ربوبياتها .